كيف تستمتع بالفن
في حقيقة الأمر ليس هناك شيء يعلمنا كيف نستمتع بالفن ، فالمتعة الفنية ليست سوى مجموعة من الأحاسيس والثقافات والتقاليد والرؤيا الداخلية والخيال التخليقي لدى الفنان ومن خلالها يمكن للفنان أن يرى الأمور بتلك الأشياء ، نحن بطبيعة الحال وبالفطرة نستمتع بالفن ، ولو اجتمعت مع مجموعة من العامة ومن لا يملكون الثقافة في علم الفنون الجميلة سواء كان التصوير او الموسيقى أو غيره ، وقمت بعرض ما لديك من لوحة فنية أو مقطوعة موسيقية ستجد من بينهم من ينبهر بما قدمته وأيضاً ستجد عكس ذلك ، وفي كلتا الحالتين سيتفق الغالب منهم على أن عملك رائع أن كان رائعاً و على أنه ليس جيداً كفاية ان كان كذلك…
في المقابل عندما نجتمع مع مجموعة من المثقفين تقنياً في المجال الفني، ونعرض عليهم ما لدينا من فنون جميلة فمن المفترض أن يتم الاستمتاع بها بشكل أكبر وذلك لكونهم بواقع الفطرة يستمتعون ولأنهم عشقوا فن الجمال يجب أن يكونوا أكثر متعة لتعمقهم فيه.
هنا يكمن الاختلاف في استيعاب الفن كمتعة بصرية تحمل في طياتها الثقافة البصرية ومحاولة قراءة الدلالات والخطوط العميقة داخل الصورة والبحث عما يحاول شرحه الفنان سواء حديثه عن الجمال أو حديثه عن الروح الداخلية أو حتى حديثه عن الأحاسيس المعقدة والتي بدورها يريدنا أن نستشعرها من خلال لوحاته.
الأمر المحزن هو أن الفن أصبح يؤخذ مأخذ البحث عن الأخطاء ، ولأن الخيال الخصب لدى الفنان الفيلسوف مليء بالشطحات التي لا يمكن أن يستوعبها الشخص أو الفنان المتلقي هي كذلك تصبح لدى العادي مجرد أخطاء كان لابد لها ان تكون بالمنظور الصحيح المواكب لطبيعة الواقع ، فتجدهم يتباهون بداية بثقافتهم العلمية للمجال الفني قبل التقوقع في أعماق اللوحة الفنية ، ثم يأتي النقد على غرار عدم قراءتهم للوحة أو حتى محاولة التعايش مع تفاصيلها الداخلية ، فيأتي النقد ويصبح محل دراسة خاطئة لا تمت للخيال الفني بـصِلة ، لذلك قيل: "الفنان غير مسؤول عن جهل المتلقي"
ولو بحثنا عن الفن لعرفنا أنه مجموعة من الأحاسيس والمشاعر والثقافات والتي تختلف من بيئة لأخرى فيتحدثون عما بداخلهم عن طريق الفن سواء بالصور، بالرسم ، بالموسيقى أو حتى بالشعر ، فالفن هو ثقافة دولة ، ثقافة بلد ، ثقافة مجموعة من الناس، ثقافة عائلة وأيضاً ثقافة شخص ما…
إذاً الأصل في المتعة الفنية: هو الإحساس والشعور والتعبير عما بداخلك، فمهما كنت مقيداً في أي مكان يكون الفن هو الوحيد الذي يستقبل منك طاقاتك واحاسيسك ومشاعرك وهو الذي يحررك من تلك القيود.. لأنك لا تستطيع أن تعرض للناس أحاسيسك بشكل مباشر كفنان ، فتقوم بعرضها لهم على شكل لوحة فنية أو مقطوعة موسيقية بأبيات شعرية تحكي لهم ما يجول في خاطرك..
" إن الفن يأخذ الحياة كمادة من المواد الخام التي يعمل فيها ، ويعيد نسجها ويشكلها بأشكال جديدة، وهو لا يبالي بالحقائق ، بل يخترع الأسلوب ويتخيل ويحلم ويبقى بينه وبين الحقيقة على حاجز منيع هو حاجز الأسلوب الجميل"
ولأننا قلنا أن الفن يعبر عن ثقافة دولة ما ، يجب أن نعلم أنها لا تمثل ثقافتها بمنظور بحت بمعنى التقاليد والعادات وحسب، فهو في العصور الوسطى كان يمثل شكل أسلوبي فحسب ، لكن الحقيقة كما في اليابان ؛ بنا المصورون اليابانيين أمثال هوكوزاي و هوكي وأتامارو "إختلاق تام ، ومجرد هوى فني لذيذ" والحقيقة أن الفن أغنى وأكثر تنوعاً وخصباً وجمالاً من الحياة ومن الطبيعة ، "وما من شك في أن للطبيعة نيات طيبة ، ولكنها لا تستطيع تنفيذها" والفن هو الذي يحققها ويسمح للطبيعة والحياة أن توجد التعبير الذي تهدف إليه…
ونهاية الأمر أن الله سبحانه وتعالى خلق العالم ليظهر لنا قدرته العظيمة في خلق الكونه وإبداعه فما خلقه الخالق سبحانه وتعالى عبارة لوحة جميلة نتدبرها ونتأملها ولا نبحث عن الاخطاء فيها قبل أن نتعايش معها ونستمتع بها وكما قال الفيلسوب مالارميه: "فيما بعد يصبح العالم كتاب جميل".
هي كذلك منظورنا للأعمال الفنية يجب أن تكون كمنظورنا لجمال لعالم والطبيعة ،كيف عرفنا دلالات الأشياء ومعانيها وحتى محاولتنا لمعرفتها لنستمتع بها. يجب أن نحاول عيش الصورة الفنية قدر المستطاع قبل أن نبحث عن أخطائها فمعرفتنا لماهية اللوحة تخبرنا لماهية الأخطاء ونقاط القوة والضعف فيها ، فالنقد الفني يرتكز أساساً على نقاط القوة ما بين رسالة ومضمون ومشاعر وتوافق الألوان وتمازجها مع التكوين ، وفي حالة اختل شيء ما بينهم نحاول قدر المستطاع ربطها باختلالها فهي قد تعني شيئاً ما ، ثم تأتي المتعة الفنية في كل ذلك وعلى غرارها يأتي النقد الفني والذي لا يرتكز على السلبية وحسب كما نعتقد أنما على أتفق و لا أتفق.
حسناً ،طالما أنك استوعبت معنى المتعة الفنية سنتفق على أننا عندما نمسك بالكاميرا للتصوير أو فرشاتنا للرسم أو أقلامنا لنكتب ، سنسهب في الحديث عن مشاعرنا من خلال لوحاتنا، وسنتحدث عن جمال الأمور بمنظورنا وعن روائع ما نشاهد من فنون جميلة ، ولا ننسى أن لصمت الجمال في لوحاتنا معنى أكبر وأعمق ؛ لنجعل الآخرين يستمتعون في التعمق.
استمتعوا بالفن،،،